الثلاثاء، 8 مارس 2016

(الخوف الهاجس الوجودي)_مفيدة الضاوي

في حضرة الوجود الأعظم..تاه الانسان بين نظرة العدم والحضور,بين هشاشة الزمان والمكان .وبين كابوس فناء الوجود والتمسك بالحياة. ولطالما وقف في رحاب الكون متأملا..باحثا ..قلقا عن مصيره ,عن وجوده المهدد كل آن بالزوال.يتجلي له العدم الماثل في صميم الوجود ,لوقظه من غفلة الحياة ..يسرق له بهجتها ويمحو له ألوانها .يتجلي له في كل شي ليعلمه أنه البداية والنهاية.وأن كل ما يفعله لدحره عبثاُ,وأنه كل بحث عن ماهيته هماُ.
وكثيرا مايلتفت الانسان الي الوراء..الي مجد عظيم خلفته الايادي الانسانية ,وخسرت لاجله أرواح وقيم و زمن ,وتمردت علي عقائد واعراف ,لكن كله خلده التاريخ في سجل العدم العابر ,الساعي الي النهاية الكبري _ألا وهو تلاشي الوجود من الانسان وتلاشي الانسان من الوجود_هذه النهاية التي ترعب الذات البشرية منذ ان ادركت تجربة الموت ووعي انه قوة خارقة غير قابلة للتامل الفكري او للرفض او للمناقشة ..ورغم محاولات العقل البشري منذ بدء التكوين في توظيف طاقته ونشاطه الفكري بتاملات خياليه لاجابة عن اسئلة الموت والعدم ونسج الاساطير لدحر الخوف والاحباط و مقاومة دواعي الفناء ..الا ان هاجس الموت كان مرافقا له ذاتيا وعقليا وجسديا مهددا وجوده .فان كان القلق معاناة دائمة وشعورا بائسا يرافق الانسان في مسيرته .فالخوف تهديدا سرمدي ,كان وسيظل معه حتي انعدام وجوده .وكان تهديدا ازلي سرمدي منذ وجوده الاول في فراديس السماء الفاضله ,بورك بالتهديد ان اقترب من شجرة الخلد بالعقاب الملعون وارهب تجرع الخوف قبل ان يرتكب الخطيئة فان كان قد عاش هواجس القلق والريب في أرض النعيم وهو مكرما ..عزيزا _متواجدا في وجودا أخر ,اسمي وانقي_ومع ذلك كان مصيره اللعنه والعقاب ...فكيف هو شعوره بالخوف وهو علي أرض اللعنه, موعودا فيها ان يكون قاتلا ومقتولا ؟
شعوره هنا أقسي وأمر..فالخوف الاول كانت نهايته طفيفه ,من نعيم الي وجود أخرأرحب ..بل استمر بقائه .أما الخوف الثاني فنهايته معلومة تلتها عليه السماء ورددت صدي صرخاته سموات سبعا طباقا ...واخترقت من هولها أجواف الارض جميعها ...فلانزول هذه المرة ولا استمرار في صنع وجوده .
هذه النزعة الوجودية الانسانية التي تعتبر اشكالية انسانية وليدة الخلق .تجلت بين هاجسي الخوف والقلق.لكن الخوف ليس هو القلق ، ولا القلق بديل لمعني الخوف..رغم انسيابهما في مجري واحد .حيث يعبر الخوف عن حالة معينة ،من شي معين..كالخوف من الموت ..من المرض ..أما القلق فهو شعورمطلق ،يشمل كل هواجس الحياة .ولم يستطع الانسان تجاوز هذه الاشكالية عبركل مراحله التاريخية ،باعتباره الكائن الوحيد العاقل الذي سخر له الوجود والموجودات .ولطبيعته الفطرية التي تحكم عليه ان يكتشف دائما ماحوله..وأهم مايجب معرفته هو هذا الوجود الذي سبق ماهيته (ماهية الانسان) التي تعد الاشكالية الاولي ،قبل أن يهتم باشكاليات وجوده . وبمعرفتة ماهية الوجود ،أدرك ماهيته ومآله اللذان يشتركان في مشكلة أكبر:وهي العدم...
العدم السابق للماهية ..والعدم الخاتم للحضور..
والعدم هنا في اشكاليتنا الوجودية ، تجاوز العدم السابق للماهية سوي للكون أوللانسان ..وظل يستلطف شبح العدم الخاتم للحضور،لعله يظفر بسره أو بفجوة تنقذه من التلاشي ..من الموت والفناء..
هذا المآزق الوجودي يتمثل في مشكلتين ،وهما ميتافزيقي (الروح _الخلود_التحررالمطلق) والفيزيقي (الجسد) وهنا يأخذ الهاجس الذاتي منحي أخر،وبصورة أخري ملموسة في معضلة الفناء .التي تشمل الجانب الميتافزيقي والفزيقي معا، وتهدد الأنا والذات والجسد ، وتوحد النزعة الوجودية بين الخوف والقلق معا.اذن أمام الفناء المطلق فقط..يمكن للقلق والخوف ، للمجهول والمدرك ..أن يتوحدا في الذات المنازعة ليجسدا هاجسا سرمديا، ليس له منفذا منطقيا ولافكريا ولا نظريا ، سوي التشبث بالناحية الميتافزيقية التي تكمن في التركيز علي المستوي الروحي وما سيطرأ علي الروح من تحولات مكانية أومادية أو بيولوجية ..الغاية منها الخلود ..الخلود فحسب.
وهذا المنحي الروحي اتبعه الانسان منذ القدم ،وابرزته الحضارات الغابرة التي سعت الي البحث عن سر الحياة المطلقة بعد الموت وكانت من ابرعها الحضارة الفرعونية المصرية التي ابدعت في رسم لوحة واقعية انسانية تبرهن فيها اصرار الانسان علي حب البقاء والتفاني في ايجاد نوافذ ميتافزيقية يتسلل منها الي الخلود المطلق ...مبتكرة سرفريد في الحفاظ علي الجسد بالتحنيط وتجهيزه لحياة أخري متحدية بابتكارها الموت والفناء الفيزيقي ..فمن رحم المأساة يولد التحدي ..احيانا .وكما نجد في الحضارة الاغريقية وهي أم نشأة النزعة الوجودية علي يد فلاسفتها والتي أبرزت هذا الفكر الفريد.حيث شيد أفلاطون كثيرا بأهمية خلود النفس بعد أن أدرك أن مصير الجسد الفناء المحتوم ،وأن مايمكن تخليده هو الروح حيث قال {{الموت هو انعتاق النفس من الجسم}} وهذا هو بالفعل الانعتاق الذي تنادي به الميتافزيقيا .ويرنو اليه الانسان المفجوع بصورة العدم الحائم حوله والخاتم لحضوره ،ليصبح الاستسلام للموت أمر مريح ينتظر دون وجل ولا قلق ،ليس احباطاً،انما توقاً وشوقاً للحياة المطلقة من خلال التحررمن سجن الجسد .
لكن هل بهذا المنظور الميتافزيقي المجهول استطاعت الذات تجاوز محنتها الوجودية ؟هل تخلصت من هواجسها؟؟.
ان الذات الانسانية أمام ادراكها الكبيرللحقائق المحيطة بها وأمام خوضها مشاركة الوجود والموجودات عراقيل ومهام وأمام المنظور الميتافزيقي للحياة المطلقة المتنظرة .الا انها لم تتخلص من حالة القلق الدائم ..لذا فذلك الاطمئنان الروحي المتجلي أمام امل دحر الفناء بخلود الروح المطلقة في المجهول المطلق ،لم يدحض صورة تلاشي الجسد وعدم الوجود .فالجسد هو رمزالحضور..ودلالة الحضور وهو الهوية للانسان التي يعزز بها ذاته وتمنحه الشعور بقيمته الفيزيائية وتميزه عن بيقية الموجودات والكائنات..
هكذا يتخبط العقل البشري في ظلمات هواجسه ظنا أنه استوعب مآزقه الوجودي وتهيأ لتجربة العدم والفناء (الموت) .الا انه أفني دهره يحتضر..يموت ويحيا ..أمام كل خلجات القلق والخوف ،ويتكررالموت والانعاش الي حين الفناء الحتمي.وسوف يستمرهذا الاحتضارالذاتي قبل الجسدي في متاهة الوجود وفي حضرة العظمة الالهية ولن يدرك سر هذه الكبرياء..كبرياء الفناء .فكيف له ان يدركها وهو لم يدرك سر الوجود ولا لغز الفناء ؟؟،فكما قال "كونفوشيوس" عندما لا ندري ماهي الحياة ،فكيف يمكننا أن نعرف ماهو الموت.
__________________________
تونس 8/03/2016

الأحد، 24 يناير 2016

الجنون الجبراني وازدواجيته بين صوت الذات ورمزية الخطاب _بقلم مفيدة الضاوي

"أنا حي مثلكم وأنا الان الي جانبكم ،اغمظوا عيونكم،انظروا حولكم وستروني.."{1}هذه الجملة المأثرة _المألمة لمحبي جبران _منقوشة علي ضريح جبران خليل جبران .وبالفعل هوحي لايزال في عقول الجميع ،صدي صوته لايزال يوقظ الضمائرالنائمة..وعواصفه تهب كل حين علي النفوس المألمة فتنعشها..أما الروح فهي بجانبنا _كما قال_أبت التلاشي ..فهي المتمردة.
جبران،ذلك الانسان النبي ..المجنون الحكيم ..والمتمرد العاقل ،قبل ان أقول الكاتب الفيلسوف .فأدبه الانساني القيم الذي خاطب به البشرية في كل مكان وزمان .وشخصيته المثالية ،المواسية لكل الارواح البائسة الموجودة والراحلة ..جعلا منه أسطورة أدبية محبوبة لدي الجميع .تتنقلها الاجيال هاتفة بعواصفه ورومنطقيته وحكمه ،وكثيرا مادونت الاقلام سيرته ،ودرست ابداعاته..وفي كل مرة يجب الكاتب او القارئ نفسه أمام رؤية جديدة لأدب جبران . وأمام مفهوم مختلف لأعماله .فلابد لقارئ جبران ان يتوقف مليا امام ماتزخربه اعماله من رمزيات ومعان وعبر..ولاسيما مفهوم ودلالة "الجنون" الذي طغي علي جل مؤلفاته .ورمز"المجنون" الذي تجسد في أغلب شخصياته، ليبقي القارئ دائما يتسائل عن ذلك المغزي :لماذا ركزجبران عن المجنون ؟ومايعني له ؟
قبل كل شي فالجنون المتعارف عليه باختصار ،هو عدم القدرة علي السيطرة علي العقل مما ينتج عن الانسان سلوكيات لارادية تنهك المعايير الاجتماعية والانسانية فيتصف المرء بالمجنون.وللجنون دوافع عديدة تأدي بالانسان لفقدان العقل والصواب..كمأسي ذاتية أو كوارث اجتماعية ،أوعجز كلي أمام الأقدار الالهية .فاما ان يكون المصير الجنون الاارادي المرضي .أواحتيار سبيله كهروب من الواقع.وفي النهاية كلاهما يجتاح الواقع المرير ويطلق للذات أجنحة الحرية والعبث والاتحكم.كذلك كان الحال في شخصيات جبران ،فقط استطاع ان يبلغ لنا حكيات جنون لاذعة التهكم وبعيدة المغزي ..تجسد مشاهد بائسة فقدت أطياف ألوانها في خضم الظلم والرذيلة والجهل والجحود...واختيار جبران لشخصية المجنون ،ليس ابداع قلمي فقط،أوهدف اعلاء صوته ودعوته للعامة مناديا بالاصلاح والرحمة..كلا..بل هي جزء من الذات الجبرانية ،هو ذلك المجنون "يوحنا" وهو" الاله المجنون" و"التائه" و"السابق" وهو ذلك الغاضب والناقم والمتمرد ..هو كل ماسطر به قلمه ،فهو باختصارنطق حرا وكتب جهرا تحت شعار الاعقل ..
وعندما نعود الي حياته وسيرته_وجبران كتاب مفتوح للعالم سلط النور علي ادق خصوصياته دون خجل من خصاصة او حادثة_ نجد دوافع عدة واقعية كرست بداخله نزعة التمرد والعصيان .ونلمس فيها أثر لاضطراب شخصيته وانحيازه لشخصية المجنون ليترجم ذاته فيها.
من العوامل الرئسية:
1_الاطار الاسري:وهي الركيزة الاساسية ،فقد كان محيط جبران الاسري من أهم المؤثرات التي أنشأت في نفسه تضارب واضح ومؤلم .اذ كان يعيش بؤس الفقر والفاقة ومضض العيش مع اب سكير قاس عليه .وأم بائسة تكابد بؤس الزمان وفواجع القدر الذي شاء ان يعبث بها في مدرات الترمل (من زوجها الاول) ثم قساوة العيش (مع والد جبران) لتنتهي بفقدان ابناءها بداء السل (بطرس وسلطانة) وتلتحق بهم ايضا..وهكذا راي جبران شبح الموت امامه ، يأخذ أسرته واحد تلو الأخر ،تاركا له الالم ولوعة الفراق والوحدة ..ولم يعد له مواسيا سوي قلمه الحر أو مروج بشري التي تغني بها كثيرا في مؤلفاته.فهذه النشأة المأساوية ،ولدت في نفسه نزعة الالم والحزن التي انعكست في كتاباته.
2_الاطار الاجتماعي:ومن الناحية الاجتماعية لم لكن عالم جبران أقل بؤسا .بل كان أشد قساوة ..مليئا بالقهروالظلم الذي وجدته في السلطة والقانون .والزيف والنفاق باسم الدين ،الذي شهده من رجال الدين .والقسوة والتكبرالذي راه من الاثرياء والطبقات المتعالية ..ولم يقتصر الظلم والجور علي هذه النواحي فحسب ،بل تسلل ايضا جوانب القلوب المحبة والارواح المولعة ..مثل الحب الذي سما بينه وبين المراة التي تدعي "سلمي كرامة" في كتابه "الاجنحة المتكسرة"والتي انتهت بالفشل وسحقت تحت راية التفريقة الطبقية لانها هي من طبقة الاثرياء وهو طبقة الفلاحين الفقراء .ومن تلك القصة نقل لنا جبران حقيقة كامنة في حياته ومدي تأثره بها وتأثيرها عليه .مما كانت دافع قوي للثورة علي القيم البالية والعنصورية الظالمة التي كسرت له اجنحة الحب قبل ان يحلق .
فهذه الدوافع المادية والمعنويه خلقت روح الثورة في ذات جبران منذ الصغر .فاستنسخها في شخصيات افتراضية كل منها تروي اسباب للعصيان ودوافع التمرد وماهي الا خوالج نفس جبران الغاضبة وصوت ذاته الصارخ في وجه كل قيود الحياة والانسان التي تكبل سموالانسان .
تمنهج جبران في أدبة مذهب الرمزيات ،الذي يرنو بالقارئ الي ابعاد خيالية قد تبعده عن أرضية الواقع _ان لم يفقه كنهها ومغزاها_ لاسيما أنها تتسم وترتبط بالغموض والايحاء الذي يحاول من خلاله التعبير علي مافي داخل النفس ويسعي بذلك الي استجلاء ما وراء المعاني والاشارات والمسميات الشخصية التي تربض وراء عالم حسي ذاتي خفي .وهذا الطابع الرمزي تجلي في كل كتابات جبران المعروفة الا ان كتاب" العواصف" قد يعتبر أهم كتبه التي شملت وجمعت أجمل وأهم نثرياته الرمزيه في أسلوب خطابي للذات وللاخرين برونق رومانسي وفلسفي وخيالي رائع وفريد ..ضمت 339نصا خاطب جسد فيها ابعاد رمزية للعبودية والجهل والظلم والموت والخطيئة والدين والحياة وكان للجنون اطلالة في كل حكاية وبصمة في كل خطاب فهومأجج الثورة والتمرد وروح العواصف التي هي روح جبران والتي تمثل له مثال أدبيا وفكريا وحياتيا أيضا منذ صغره فهوكما قال: "أول لحضة عظيمة أذكرها في حياتي هي العاصفة وكنت يومها ابن ثلاث سنوات .لقد مزقت ثيابي فخرجت أركض وأمي تلحق بي وأنا :أصيح أحب العواصف ...أحبها"{2}
ففي عالم جبران تجلي الواقع من صميم رمزيات رائعة ودوي صوت جبران من أفواه شخصيات المجنون بما ينشده عقله وترمي اليه افكاره ..متمردا علي كل الكبت والقهر الاجتماعي والذاتي وعلي كل القيود التي رمت به في سبل التجرد من العقل واعلاء صوت الذات فقط فهو اتقن جيدا المثل السائد" مجنون يروي وعاقل يفهم" ومالشخصيات والرمزيات والقصص ،الا ممثلون ناطقون ..باسم الجنون الجبراني.
______________________________
_____________________________________________
{1}_من كتاب العواصف /المقدمة
{2}من كتاب العواصف صفحة20
مفيدة الضاوي _تونس 23/01/2016

الثلاثاء، 19 يناير 2016

المثيولوجيا والانسان:بين الهوية والمقدس _مفيدة الضاوي

المثيولوجيا-mythology-هي علم متخصص في دراسة وتفسير الأساطير.التي تتمثل في سرد قصص وحكايات خارقة للعادة .مستمدة من الواقع,متأصلة بالعقل ,ومترجمة لافكاره.وكلمة مثيولوجيا هي كلمة تعود أصولها الي الحضارة الأغريقية مألفة بين جزئين:الأول من كلمة (مثيو--mytho)وتعني الحكاية الفلكلورية وعادة ما ترتبط بالألهة والخلق ..والجزء الثاني من كلمة (لوجيا--logy)وتختصرمعني العلم اوالدراسة _ان صح التعبير_وان عرفت بالمصطلح البديل ,وهو الأسطورة .فأطن أن دهرا مضي وهي محل تفسير ودراسات متنوعة,الا أن جل المعاجم تقف عاجزة علي اعطائها المعني والتعريف الصحيح والدقيق لها..
وتعد المثيولوجيا من أعرق العلوم (العلم البدائي)القديمة للانسان البدائي .ومن أقدم مكتسبات وانتاجات الحضارات الغابرة .والتي لم تترك حضارة في تاريخ البشرية الا وكانت حجر الاساس لمعابدها وديناتها ومجدها وافكارها..ولم تقتصر علي البدء فقط,بل تحدت كل عصور الظلمة وماقبل الحداثة والمعرفة .لترافق مسيرة الانسان الي ما بعد الحداثة والتطور العلمي والتكنلوجي ,لتظل هوية بصمها العقل في الذات.
1-بداية المثيولوجيا مع الانسان:
نشأت المثيولوجيا منذ وجود الانسان الاول علي ارض الوجود.وبدأه محاولة ادراك ماهو عليه..عن مكانه وماهيته والموجودات المحيطة به .وقد لم يكن يعرف انه -انسان-بل فقط ذات مندهشة من اعجوبة الوجود ..راي الشمس تبزغ وتختفي,فحلق اليها بفكره البسيط علي ان هناك مخلوق هائل يجثم خلفها ..فسماه اله الشمس .نظر الي الجبال والبحاروالنار والماء ..والحجر ,وأصغي الي صوت الريح والرعد ..مبهما ,مستفهما .وفسر كل ذلك علي أنه لكل الموجودات ألهة وأرباب ,وعليه التقرب اليهم بالعبادة والطاعة لنيل حياة أمنة وعيش طيب .كان ذالك الملاذ الوحيد لقدرة العقل المندثر في متاهة الوجود علي استوعاب واقعه وكنهه واكتشاف نهايته.ويهون علي فكره المرتجف من رعبة الحضور الاسطوري للكون والكائن والمكون والكائنات بخلق تلك الاعتقادات التي تمثل له الخلاص الرحيم من جحيم الاسئلة الغيبية وكما قال المثيولوجي الشهير "جوزيف كامبل"{{شي واحد تعلمنا اياه الاساطير,ذلك أنه من أعماق الجحيم ينطلق صوت الخلاص}}فالاسطورة والخيال المثيولوجي كانا صوت خلاص العقل من ماساة الاسئلة الوجودية عن خلق وخالق وخلائف ...
ترسخت المثيولوجيا البدائية في الذات البشرية من قوي روحية وحاجة وجودية الي دافع نشوء كل الحضارات الغابرة _والمعروفة_ لعل من أبرزها دائما واشهرها ,هي الحضارة اليونانية الاغريقية .التي ازدخرت بتعدد الالهة والرموز والاساطير..فسكنتها المثيولوجيا قلبا وقالبا .حيث اختصرت في البدء علي بعض الالهة البدائية مثل (هيليوس الهة الشمس_نيتون اله البحار _ارتميس الهة الصيد..وغيره) وترجم ذالك علي اختصار الادراك العقلي ذاك الوقت علي حاجته الحياتية والغذائية فحسب .فاختصرتمع ذلك  نشات الالهة والمثيولوجيا علي الحاجة المادية للجسم والفكر البشري ..ومع زوال الدهشة العظمي الوجودية ,تطرق الانسان الي مارب اخري تشبع رغباته وحاجاته الروحيه كمعرفة (الحب للاله كيوبيد--والحرب للاله ارس--والخصب والزواج والنبيذ للاله ديوميسوس--وغيره) فتكونت تلك القائمة الكبيرة من المثيولوجيا الاغريقية .مع اضافة لمسات سردية لملاحم الجبابرة ومعجزات الاسلاف والتي ربما تكون مستاصلة من الواقع ,فتجلت أجمل حضارة أخرجتها البشرية ...
اذن فالمثيولوجيا هي نشاة وهوية وقوة روحية وحاجة عقلية ,هرب بها الانسان من هول الاسئلة الازلية.والتي لايزال يصارع بها الاجوبة الابدية.
2-تطور المثيولوجيا :
ارتقت المثيولوجيا درجات عدة في نطاق التطور الذي شهده الانسان .ومع تطور الفكر والعقل البشري ,ولعل يتدرج هذا التطور الي ثلاث جوانب:
1_الجانب الفكري:كانت المثيولوجيا تقوم علي الاعتقاد والتخيل والظن,لادراك وتفسير ماهيته ومآل الاشياء ولمحاولة التعايش مع تلك المفاهيم للطبيعة والكون,واستخدامها وخدمتها.الي ان تمكن ذالك الامي _الانسان_من تعلم الكتابه والتدوين .فتحولت خيلاته المثيولوجية الشفاهية الي تعابير جديدة تتمثل في النحت والنقش علي الحجارة ورسم رموز واشارات علي معابد الحضارات واطلال واكاره.ومع عبور هذه الخطوة المهمة في حياة الانسان..تطورت المثيولوجيا لديه الي الرمزية المجازية في شرح الظواهر والبوح بالافكار .ثم الي فلكلورية شعبية صاغها الفكر في سرديات خيالية يداعب بها عقول الكبار والصغار ,بين موعظة وحكم وتنمية للخيال الفكري .فباتت  فن شفوي وابداع كتابي ,وتراث تتباهي به كل أمة.
اذ تحول مفهوم المثيولوجيا من مجرد خرافات الانسان الاول الي تعويضها بلفظ اساطير ,برهنة علي وعي الفكر الانساني وتحولة من بطل الخرافة الي ناقلا لها .معتبرا ان الاسطورة ماهي الا نفل لعديد الحقائق التاريخية والكونيه وكما قال الانثلوجي "يوهان باكوب"{{ان الاساطير هي التعبير الرمزي لحقائق مؤكدة}}.
2_الجانب النفسي:تظل المثيولوجيا وليدة النشاة والذات .متآصلة بالغريزة البشرية ,باعتبارها حاجة مهمة "للانا" لتعبر عن نزعتها ودوافعها الغريزية .وكسب فهم الاشياء الطبيعية والميتافيزيقية ,لتبدو قوية امام "الأنا الأعلي" و"الهو".وقد سعي علم النفس الي دراستها وتحليلها ,ليثبت ان المثيولوجيا ماهي الا مجرد انفعالات نفسية تجتاح الذات لتعبر عن كبت او رغبة او حلم يراودها .واشباع تلك الرغبات والعواطف عن طريق التخيل او الحلم الناتج عن الاشعور. كما يقول الفيلسوف "سيغموند فرويد"(الاسطورة هي نتاج عمليات الاشعورلدي الانسان) اذ اوضح في نظارياته الي ان الاسطورة هي حالة لاشعورية للانا,التي تعيش حالة صراع ذاتي بين عواطفها وغرائزها وواقعها .فانعكس ذلك علي العقل الاواعي الذي خاض رحلة لاشعورية.أفلتت من رقابة العقل والمنطق والنفس .لتبحر حرة في آفاق الحلم المتحررمن كل القيود ,ويجمع في كتابه"طوطم والحرام" خيردليل لتفسير عميق لهذه النظرية ومع اكثر تفاصيل..ومع ذلك يري "فرويد" ان الاشعور هو الاساس الحقيقي للحياة النفسية .واعتبرها نظرية شاملة ,قادرة علي تفسيرجميع مظاهرالانسانية.فالمثيولوجيا اذن باعتبارها كل هذه النطرية تستند اليها ,فهي تعد ذات قيمة نفسية هامة فردية وجماعية.
ومن الاشعور عند "فرويد" ينتقل تحليلا اخرللمثيولوجيا.وهو الاوعي عند الفيلسوف الالماني"كارل يونغ"والذي لايختلف عن كونها تخرج عن منهج العقل ,الا أنه نظر اليها من ناحية الغير وليس الانا _كما اعتمد فرويد_اذ اعتبران "الاوعي الجماعي"هو اساس المخيلة الاسطورية، وانها تمثل ترجمة لجوانب المجموعة والأفراد والمجتمعات .باشتراكهم لأفكار وانفعالات وأحلام مشتركة في الاوعي..
وبين الاشعور والاوعي من المنظور النفسي المتطور.ازدادت قيمة المثيولوجيا،تعمقا في الذات والفكر.وباتت أسلوبا (مجازيا) لمعالجة النفس ولمساعدة علم النفس في تحليلها.
3_الجانب العلمي:لعل أهم مظاهر التطور العلمي للمثيولوجيا،انها أصبحت محل دراسات العلم ذاته والعلماء ،وانساقت ضمن العلوم الحديثة . واعتبرت أحد العلوم الاجتماعية,الانسانية التي تتولي أهم قضايا الانسان والتاريخ ومنذ صور النهضة المجيدة تهافت الفلاسفة والمفكرين وعلماء النفس والباحثين علي دراستها وتدوينها وتحليلها فكريا ونفسيا وعلميا فهي ساهمت في التنوع العلمي باعتبارها انتاج فكري أزلي وتحول العقل الاواعي للفرد والمجتمع الي عقل واع ،مخترع وبناء.فمثلا الوعي الفلسفي والأدبي الذي سطع داعيا للتأمل والتفكيروالبحث منذ الفلسفة القديمة الي المعاصرة .هو نشأ عن الوعي المثيولوجي _المعروف جيدا في علاقته بها _مهما حاول الاستقلال عنها..والابداع باختلاف مجالاته وفنونه نتاج من الفكر المثيولوجي المتوارث بين الاجيال عبرالتاريخ وكذلك التكنولوجيات والاختراعات ،التي تعرض ارتقاء العقل البشري ونباغته .ابدأت مجرد فكرة من أرضية المخيلة الاسطورية..كغزو الفضاء مثلا والوصول الي القمر.كان في البدئ خيال راود عقول البشر.نسجه في خرافات وأساطيرأله القمر وتنين القمر الخ..فكما خلفت المثيولوجيا انتاج فكري وتقدم علمي .صنعت ايضا شعوب ودول ،اجتمعت علي المعتقد والتاريخ الفلوكلوري.
3-العقل بين الدين والثيولوجيا:
لم يجد الانسان مخرجا من متاهة الوجود,حضوره كان الدهشة العظمي الأولي له.وننزول الأديان السماوية جاءت لتنقله الي مرحلة الرهبة الأعظم ..ومابينهما خاض المأساة الوجودية _يكون فيها اولا يكون_صارع مراحله الثلاث بالغريزة تارة والتخيل أخري وترك العقل يحضر ويلاشي ملاعبا المنطق والحقيقة .وأمام ذلك الفراغ والتيه،لابد للانسان بالاحتماء بدرع حصين ..وهو المقدس.باعتبار أنه الهوية،ومرجع الماهية ،وكافله في رحلته الوجودية،وهو الذي يؤمن له حياته الغبيبة.
اذن فهو حاجة أساسية، يجب أن تحضرسوي بانتاجه ،كالأسطورة .أومن خلال الاديان السماوية المقدسة.وبالطبع _كماهو معروف_ان المثيولوجيا نتاج انساني ، لكن يظل السؤال يتأرجح بين العقل والمنطق .كيف للعقل للانساني الخارق ان يصدق ويستوعب ويتعايش مع مثيولوجيا من صنعه ،نابعة من أرضية خيالية معترف بها؟؟؟
ويبقي الجواب_وان لم يقنع الجميع_ نعم ..العقل البشري في حاجة الي مثيولوجيا باعتبارها المعتقد والمقدس . وكذلك هو في استعداد الي تقبل واستوعاب اي مقدس أخر،انساني أو ديني .لذلك كان بديهي علي الانسان تقبل مثيولوجيا الاديان _وان كان العقل في ريبة منها_ لما تطغي عليه نصوصها وتعاليمها وقصصها من سرد قد نقول انه اشبه بالخرافة والاسطورة .وان تمعن بها العقل،لايجد فرق بينها.ومن هناك بدا الانسان صراع أخربين الشك واليقين ..وبين التقبل والاستنكار.فان كان المقدس الاول المكفن بالمثيولوجيا بدعة انسانية للتاقلم مع حضوره الوجودي ،فكيف له ان يتقبل ملاحم مقدسة ليست من صنعه وفرضت عليه؟؟؟
اشتركا المقدس المثيولوجي والمقدس الديني في خصائص عدة: كالزمان والمكان والشخصيات الخارقة والمعجزات المهولة.التي تحض العقل علي الوقوف دهرًا،باحثا ..متفكرا في اشكالية الامتثال ايمانا وتصديقا أو الرفض والتشكيك.خاصة انه امام ثلاث أديان عظيمة جاءت بما لم يتخيله عقل من قبل..ميلاد المسيح ومعجزاته في المسيحية ،خوارق موسي في اليهوديه ،كرامات محمد في الاسلام .وأهمها قصة الخلق وحياة الخلود وقصص باقي الانيباء .جميعهم نجد لهم أطلال في أساطير الأسلاف والاولين ،تشابهت جدا في عديد الحضارات الغابرة .
ولعل من أبرزها والتي تعتبرمعجزة كونية ظلت معضلة العقول ،المؤمنة والملحدة ..وهي قصة الاسراء والمعراج.الراوي هناك هو بطل الحكاية .هو الشاهد الوحيد .والشخصيات ملائكة واشباه بشر والمكان سموات شاهقة اخترقها ببراق (دابة بيضاء بين البغل والحمار،في فخذيها جنحان تحفزبهما رجليه) كل شي بها فاق الامعقول والخيال .ويروي كامل الرحلة الليلة والتي هي معجزة انسانية مدهشة بالنسبة للرسول الانسان .ومعجزة الاهية عظمي بالنسبة للاله المقدس .ثم بعد ذلك علي العقل المصغي ،التصديق قبل التخيل والايمان قبل الاستوعاب .فالذات هنا امام مآزق عقلي ومنظقي وغريزي. الا انه قبله رغم مثيولوجته الطاغية لانه بحاجة اليه ..بحاجة الي مقدس يتبني وجوده ويتكفل بمصيره .
لذلك فالمقدس لا يفهم ولايقبل بالعقل وتبقي المثيولوجيا الهوية الذاتية للانسان التي اجتاز بها وعورة مراحلة الوجودية
__________________________________________________________________________
حقوق النشر محفوظة
تم نشرها في الاتحاد الكتاب والثقفين العرب
وفي مجلة المسار الصادرة عن اتحاد الكتاب التونسيين
وفي جريدة ومجلة اضواء مصر 

الأحد، 10 يناير 2016

بأحلامنا نخترق واقعنا (تحدى لتصل) – مفيدة الضاوي

كم حلمنا!! كم رغبنا وهوينا!! احلام بنتها الذات وعززتها الأنا, ونسجها الزمن حكايات جميلة ,ابى الواقع احتضانها ونفذ فيها القدر امامنا ..مشيئة السماء ..شئنا ام ابينا ..نحبط كثيرا , تفرحنا التباشير احيانا ..بعدت ..قربت .لكن تبقى احلامنا بداخلنا وهيج ملتهب ,لا تخمده السنين…
فليس خطأ ان نحلم بشئ اكبر من ارادتنا, ولا الحل ان نتنازل عنه ونضحي به تحت عراقيل الحياة والبشر.. فقد تمر سنين طوال عليه تخفيه كوارث القدر في قرارات عميقة ..نظنه انتهى .. الا ان ارادة الأنا وذاتنا تجتثه من تحت انقاض الألم والحسرة.. لنخترق به تراجيديا واقعنا ونمضي..
تعددت احلامنا ونمت كلما كبرنا..حلم يرفعنا أعلى سماء ,نحلق به دون أجنحة ..نطير بلا عقل . وحلم يسمو بنا اعلى فنسقط في لحظات شموخ وتكبر الى قرارات الضياع والمنفى ..واخر يعلمنا اننا بين برزخ العدم والولادة.. وغيره يرسم لنا بساط الوهم فنتدلى جثثا في مشانق الخداع ..فمهما كان جميلًا او مرفوضًا ,في دستور الذات هو حلم الروح وواقع ينتظرنا في الغد..
14/05/2014