في حضرة الوجود الأعظم..تاه الانسان بين نظرة العدم والحضور,بين هشاشة
الزمان والمكان .وبين كابوس فناء الوجود والتمسك بالحياة. ولطالما وقف في
رحاب الكون متأملا..باحثا ..قلقا عن مصيره ,عن وجوده المهدد كل آن
بالزوال.يتجلي له العدم الماثل في صميم الوجود ,لوقظه من غفلة الحياة
..يسرق له بهجتها ويمحو له ألوانها .يتجلي له في كل شي ليعلمه أنه البداية
والنهاية.وأن كل ما يفعله لدحره عبثاُ,وأنه كل بحث عن ماهيته هماُ.
وكثيرا مايلتفت الانسان الي الوراء..الي مجد عظيم خلفته الايادي الانسانية ,وخسرت لاجله أرواح وقيم و زمن ,وتمردت علي عقائد واعراف ,لكن كله خلده التاريخ في سجل العدم العابر ,الساعي الي النهاية الكبري _ألا وهو تلاشي الوجود من الانسان وتلاشي الانسان من الوجود_هذه النهاية التي ترعب الذات البشرية منذ ان ادركت تجربة الموت ووعي انه قوة خارقة غير قابلة للتامل الفكري او للرفض او للمناقشة ..ورغم محاولات العقل البشري منذ بدء التكوين في توظيف طاقته ونشاطه الفكري بتاملات خياليه لاجابة عن اسئلة الموت والعدم ونسج الاساطير لدحر الخوف والاحباط و مقاومة دواعي الفناء ..الا ان هاجس الموت كان مرافقا له ذاتيا وعقليا وجسديا مهددا وجوده .فان كان القلق معاناة دائمة وشعورا بائسا يرافق الانسان في مسيرته .فالخوف تهديدا سرمدي ,كان وسيظل معه حتي انعدام وجوده .وكان تهديدا ازلي سرمدي منذ وجوده الاول في فراديس السماء الفاضله ,بورك بالتهديد ان اقترب من شجرة الخلد بالعقاب الملعون وارهب تجرع الخوف قبل ان يرتكب الخطيئة فان كان قد عاش هواجس القلق والريب في أرض النعيم وهو مكرما ..عزيزا _متواجدا في وجودا أخر ,اسمي وانقي_ومع ذلك كان مصيره اللعنه والعقاب ...فكيف هو شعوره بالخوف وهو علي أرض اللعنه, موعودا فيها ان يكون قاتلا ومقتولا ؟
شعوره هنا أقسي وأمر..فالخوف الاول كانت نهايته طفيفه ,من نعيم الي وجود أخرأرحب ..بل استمر بقائه .أما الخوف الثاني فنهايته معلومة تلتها عليه السماء ورددت صدي صرخاته سموات سبعا طباقا ...واخترقت من هولها أجواف الارض جميعها ...فلانزول هذه المرة ولا استمرار في صنع وجوده .
هذه النزعة الوجودية الانسانية التي تعتبر اشكالية انسانية وليدة الخلق .تجلت بين هاجسي الخوف والقلق.لكن الخوف ليس هو القلق ، ولا القلق بديل لمعني الخوف..رغم انسيابهما في مجري واحد .حيث يعبر الخوف عن حالة معينة ،من شي معين..كالخوف من الموت ..من المرض ..أما القلق فهو شعورمطلق ،يشمل كل هواجس الحياة .ولم يستطع الانسان تجاوز هذه الاشكالية عبركل مراحله التاريخية ،باعتباره الكائن الوحيد العاقل الذي سخر له الوجود والموجودات .ولطبيعته الفطرية التي تحكم عليه ان يكتشف دائما ماحوله..وأهم مايجب معرفته هو هذا الوجود الذي سبق ماهيته (ماهية الانسان) التي تعد الاشكالية الاولي ،قبل أن يهتم باشكاليات وجوده . وبمعرفتة ماهية الوجود ،أدرك ماهيته ومآله اللذان يشتركان في مشكلة أكبر:وهي العدم...
العدم السابق للماهية ..والعدم الخاتم للحضور..
والعدم هنا في اشكاليتنا الوجودية ، تجاوز العدم السابق للماهية سوي للكون أوللانسان ..وظل يستلطف شبح العدم الخاتم للحضور،لعله يظفر بسره أو بفجوة تنقذه من التلاشي ..من الموت والفناء..
هذا المآزق الوجودي يتمثل في مشكلتين ،وهما ميتافزيقي (الروح _الخلود_التحررالمطلق) والفيزيقي (الجسد) وهنا يأخذ الهاجس الذاتي منحي أخر،وبصورة أخري ملموسة في معضلة الفناء .التي تشمل الجانب الميتافزيقي والفزيقي معا، وتهدد الأنا والذات والجسد ، وتوحد النزعة الوجودية بين الخوف والقلق معا.اذن أمام الفناء المطلق فقط..يمكن للقلق والخوف ، للمجهول والمدرك ..أن يتوحدا في الذات المنازعة ليجسدا هاجسا سرمديا، ليس له منفذا منطقيا ولافكريا ولا نظريا ، سوي التشبث بالناحية الميتافزيقية التي تكمن في التركيز علي المستوي الروحي وما سيطرأ علي الروح من تحولات مكانية أومادية أو بيولوجية ..الغاية منها الخلود ..الخلود فحسب.
وهذا المنحي الروحي اتبعه الانسان منذ القدم ،وابرزته الحضارات الغابرة التي سعت الي البحث عن سر الحياة المطلقة بعد الموت وكانت من ابرعها الحضارة الفرعونية المصرية التي ابدعت في رسم لوحة واقعية انسانية تبرهن فيها اصرار الانسان علي حب البقاء والتفاني في ايجاد نوافذ ميتافزيقية يتسلل منها الي الخلود المطلق ...مبتكرة سرفريد في الحفاظ علي الجسد بالتحنيط وتجهيزه لحياة أخري متحدية بابتكارها الموت والفناء الفيزيقي ..فمن رحم المأساة يولد التحدي ..احيانا .وكما نجد في الحضارة الاغريقية وهي أم نشأة النزعة الوجودية علي يد فلاسفتها والتي أبرزت هذا الفكر الفريد.حيث شيد أفلاطون كثيرا بأهمية خلود النفس بعد أن أدرك أن مصير الجسد الفناء المحتوم ،وأن مايمكن تخليده هو الروح حيث قال {{الموت هو انعتاق النفس من الجسم}} وهذا هو بالفعل الانعتاق الذي تنادي به الميتافزيقيا .ويرنو اليه الانسان المفجوع بصورة العدم الحائم حوله والخاتم لحضوره ،ليصبح الاستسلام للموت أمر مريح ينتظر دون وجل ولا قلق ،ليس احباطاً،انما توقاً وشوقاً للحياة المطلقة من خلال التحررمن سجن الجسد .
لكن هل بهذا المنظور الميتافزيقي المجهول استطاعت الذات تجاوز محنتها الوجودية ؟هل تخلصت من هواجسها؟؟.
ان الذات الانسانية أمام ادراكها الكبيرللحقائق المحيطة بها وأمام خوضها مشاركة الوجود والموجودات عراقيل ومهام وأمام المنظور الميتافزيقي للحياة المطلقة المتنظرة .الا انها لم تتخلص من حالة القلق الدائم ..لذا فذلك الاطمئنان الروحي المتجلي أمام امل دحر الفناء بخلود الروح المطلقة في المجهول المطلق ،لم يدحض صورة تلاشي الجسد وعدم الوجود .فالجسد هو رمزالحضور..ودلالة الحضور وهو الهوية للانسان التي يعزز بها ذاته وتمنحه الشعور بقيمته الفيزيائية وتميزه عن بيقية الموجودات والكائنات..
هكذا يتخبط العقل البشري في ظلمات هواجسه ظنا أنه استوعب مآزقه الوجودي وتهيأ لتجربة العدم والفناء (الموت) .الا انه أفني دهره يحتضر..يموت ويحيا ..أمام كل خلجات القلق والخوف ،ويتكررالموت والانعاش الي حين الفناء الحتمي.وسوف يستمرهذا الاحتضارالذاتي قبل الجسدي في متاهة الوجود وفي حضرة العظمة الالهية ولن يدرك سر هذه الكبرياء..كبرياء الفناء .فكيف له ان يدركها وهو لم يدرك سر الوجود ولا لغز الفناء ؟؟،فكما قال "كونفوشيوس" عندما لا ندري ماهي الحياة ،فكيف يمكننا أن نعرف ماهو الموت.
__________________________
تونس 8/03/2016
وكثيرا مايلتفت الانسان الي الوراء..الي مجد عظيم خلفته الايادي الانسانية ,وخسرت لاجله أرواح وقيم و زمن ,وتمردت علي عقائد واعراف ,لكن كله خلده التاريخ في سجل العدم العابر ,الساعي الي النهاية الكبري _ألا وهو تلاشي الوجود من الانسان وتلاشي الانسان من الوجود_هذه النهاية التي ترعب الذات البشرية منذ ان ادركت تجربة الموت ووعي انه قوة خارقة غير قابلة للتامل الفكري او للرفض او للمناقشة ..ورغم محاولات العقل البشري منذ بدء التكوين في توظيف طاقته ونشاطه الفكري بتاملات خياليه لاجابة عن اسئلة الموت والعدم ونسج الاساطير لدحر الخوف والاحباط و مقاومة دواعي الفناء ..الا ان هاجس الموت كان مرافقا له ذاتيا وعقليا وجسديا مهددا وجوده .فان كان القلق معاناة دائمة وشعورا بائسا يرافق الانسان في مسيرته .فالخوف تهديدا سرمدي ,كان وسيظل معه حتي انعدام وجوده .وكان تهديدا ازلي سرمدي منذ وجوده الاول في فراديس السماء الفاضله ,بورك بالتهديد ان اقترب من شجرة الخلد بالعقاب الملعون وارهب تجرع الخوف قبل ان يرتكب الخطيئة فان كان قد عاش هواجس القلق والريب في أرض النعيم وهو مكرما ..عزيزا _متواجدا في وجودا أخر ,اسمي وانقي_ومع ذلك كان مصيره اللعنه والعقاب ...فكيف هو شعوره بالخوف وهو علي أرض اللعنه, موعودا فيها ان يكون قاتلا ومقتولا ؟
شعوره هنا أقسي وأمر..فالخوف الاول كانت نهايته طفيفه ,من نعيم الي وجود أخرأرحب ..بل استمر بقائه .أما الخوف الثاني فنهايته معلومة تلتها عليه السماء ورددت صدي صرخاته سموات سبعا طباقا ...واخترقت من هولها أجواف الارض جميعها ...فلانزول هذه المرة ولا استمرار في صنع وجوده .
هذه النزعة الوجودية الانسانية التي تعتبر اشكالية انسانية وليدة الخلق .تجلت بين هاجسي الخوف والقلق.لكن الخوف ليس هو القلق ، ولا القلق بديل لمعني الخوف..رغم انسيابهما في مجري واحد .حيث يعبر الخوف عن حالة معينة ،من شي معين..كالخوف من الموت ..من المرض ..أما القلق فهو شعورمطلق ،يشمل كل هواجس الحياة .ولم يستطع الانسان تجاوز هذه الاشكالية عبركل مراحله التاريخية ،باعتباره الكائن الوحيد العاقل الذي سخر له الوجود والموجودات .ولطبيعته الفطرية التي تحكم عليه ان يكتشف دائما ماحوله..وأهم مايجب معرفته هو هذا الوجود الذي سبق ماهيته (ماهية الانسان) التي تعد الاشكالية الاولي ،قبل أن يهتم باشكاليات وجوده . وبمعرفتة ماهية الوجود ،أدرك ماهيته ومآله اللذان يشتركان في مشكلة أكبر:وهي العدم...
العدم السابق للماهية ..والعدم الخاتم للحضور..
والعدم هنا في اشكاليتنا الوجودية ، تجاوز العدم السابق للماهية سوي للكون أوللانسان ..وظل يستلطف شبح العدم الخاتم للحضور،لعله يظفر بسره أو بفجوة تنقذه من التلاشي ..من الموت والفناء..
هذا المآزق الوجودي يتمثل في مشكلتين ،وهما ميتافزيقي (الروح _الخلود_التحررالمطلق) والفيزيقي (الجسد) وهنا يأخذ الهاجس الذاتي منحي أخر،وبصورة أخري ملموسة في معضلة الفناء .التي تشمل الجانب الميتافزيقي والفزيقي معا، وتهدد الأنا والذات والجسد ، وتوحد النزعة الوجودية بين الخوف والقلق معا.اذن أمام الفناء المطلق فقط..يمكن للقلق والخوف ، للمجهول والمدرك ..أن يتوحدا في الذات المنازعة ليجسدا هاجسا سرمديا، ليس له منفذا منطقيا ولافكريا ولا نظريا ، سوي التشبث بالناحية الميتافزيقية التي تكمن في التركيز علي المستوي الروحي وما سيطرأ علي الروح من تحولات مكانية أومادية أو بيولوجية ..الغاية منها الخلود ..الخلود فحسب.
وهذا المنحي الروحي اتبعه الانسان منذ القدم ،وابرزته الحضارات الغابرة التي سعت الي البحث عن سر الحياة المطلقة بعد الموت وكانت من ابرعها الحضارة الفرعونية المصرية التي ابدعت في رسم لوحة واقعية انسانية تبرهن فيها اصرار الانسان علي حب البقاء والتفاني في ايجاد نوافذ ميتافزيقية يتسلل منها الي الخلود المطلق ...مبتكرة سرفريد في الحفاظ علي الجسد بالتحنيط وتجهيزه لحياة أخري متحدية بابتكارها الموت والفناء الفيزيقي ..فمن رحم المأساة يولد التحدي ..احيانا .وكما نجد في الحضارة الاغريقية وهي أم نشأة النزعة الوجودية علي يد فلاسفتها والتي أبرزت هذا الفكر الفريد.حيث شيد أفلاطون كثيرا بأهمية خلود النفس بعد أن أدرك أن مصير الجسد الفناء المحتوم ،وأن مايمكن تخليده هو الروح حيث قال {{الموت هو انعتاق النفس من الجسم}} وهذا هو بالفعل الانعتاق الذي تنادي به الميتافزيقيا .ويرنو اليه الانسان المفجوع بصورة العدم الحائم حوله والخاتم لحضوره ،ليصبح الاستسلام للموت أمر مريح ينتظر دون وجل ولا قلق ،ليس احباطاً،انما توقاً وشوقاً للحياة المطلقة من خلال التحررمن سجن الجسد .
لكن هل بهذا المنظور الميتافزيقي المجهول استطاعت الذات تجاوز محنتها الوجودية ؟هل تخلصت من هواجسها؟؟.
ان الذات الانسانية أمام ادراكها الكبيرللحقائق المحيطة بها وأمام خوضها مشاركة الوجود والموجودات عراقيل ومهام وأمام المنظور الميتافزيقي للحياة المطلقة المتنظرة .الا انها لم تتخلص من حالة القلق الدائم ..لذا فذلك الاطمئنان الروحي المتجلي أمام امل دحر الفناء بخلود الروح المطلقة في المجهول المطلق ،لم يدحض صورة تلاشي الجسد وعدم الوجود .فالجسد هو رمزالحضور..ودلالة الحضور وهو الهوية للانسان التي يعزز بها ذاته وتمنحه الشعور بقيمته الفيزيائية وتميزه عن بيقية الموجودات والكائنات..
هكذا يتخبط العقل البشري في ظلمات هواجسه ظنا أنه استوعب مآزقه الوجودي وتهيأ لتجربة العدم والفناء (الموت) .الا انه أفني دهره يحتضر..يموت ويحيا ..أمام كل خلجات القلق والخوف ،ويتكررالموت والانعاش الي حين الفناء الحتمي.وسوف يستمرهذا الاحتضارالذاتي قبل الجسدي في متاهة الوجود وفي حضرة العظمة الالهية ولن يدرك سر هذه الكبرياء..كبرياء الفناء .فكيف له ان يدركها وهو لم يدرك سر الوجود ولا لغز الفناء ؟؟،فكما قال "كونفوشيوس" عندما لا ندري ماهي الحياة ،فكيف يمكننا أن نعرف ماهو الموت.
__________________________
تونس 8/03/2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق