المثيولوجيا-mythology-هي علم متخصص في دراسة
وتفسير الأساطير.التي تتمثل في سرد قصص وحكايات خارقة للعادة .مستمدة من
الواقع,متأصلة بالعقل ,ومترجمة لافكاره.وكلمة مثيولوجيا هي كلمة تعود
أصولها الي الحضارة الأغريقية مألفة بين جزئين:الأول من كلمة
(مثيو--mytho)وتعني الحكاية الفلكلورية وعادة ما ترتبط بالألهة والخلق
..والجزء الثاني من كلمة (لوجيا--logy)وتختصرمعني العلم اوالدراسة _ان صح
التعبير_وان عرفت بالمصطلح البديل ,وهو الأسطورة .فأطن أن دهرا مضي وهي محل
تفسير ودراسات متنوعة,الا أن جل المعاجم تقف عاجزة علي اعطائها المعني
والتعريف الصحيح والدقيق لها..
وتعد المثيولوجيا من أعرق العلوم
(العلم البدائي)القديمة للانسان البدائي .ومن أقدم مكتسبات وانتاجات
الحضارات الغابرة .والتي لم تترك حضارة في تاريخ البشرية الا وكانت حجر
الاساس لمعابدها وديناتها ومجدها وافكارها..ولم تقتصر علي البدء فقط,بل
تحدت كل عصور الظلمة وماقبل الحداثة والمعرفة .لترافق مسيرة الانسان الي ما
بعد الحداثة والتطور العلمي والتكنلوجي ,لتظل هوية بصمها العقل في الذات.2-تطور المثيولوجيا :
ارتقت المثيولوجيا درجات
عدة في نطاق التطور الذي شهده الانسان .ومع تطور الفكر والعقل البشري ,ولعل
يتدرج هذا التطور الي ثلاث جوانب:
1_الجانب الفكري:كانت
المثيولوجيا تقوم علي الاعتقاد والتخيل والظن,لادراك وتفسير ماهيته ومآل
الاشياء ولمحاولة التعايش مع تلك المفاهيم للطبيعة والكون,واستخدامها
وخدمتها.الي ان تمكن ذالك الامي _الانسان_من تعلم الكتابه والتدوين .فتحولت
خيلاته المثيولوجية الشفاهية الي تعابير جديدة تتمثل في النحت والنقش علي
الحجارة ورسم رموز واشارات علي معابد الحضارات واطلال واكاره.ومع عبور هذه
الخطوة المهمة في حياة الانسان..تطورت المثيولوجيا لديه الي الرمزية
المجازية في شرح الظواهر والبوح بالافكار .ثم الي فلكلورية شعبية صاغها
الفكر في سرديات خيالية يداعب بها عقول الكبار والصغار ,بين موعظة وحكم
وتنمية للخيال الفكري .فباتت فن شفوي وابداع كتابي ,وتراث تتباهي به كل
أمة.
اذ تحول مفهوم المثيولوجيا من مجرد خرافات الانسان
الاول الي تعويضها بلفظ اساطير ,برهنة علي وعي الفكر الانساني وتحولة من
بطل الخرافة الي ناقلا لها .معتبرا ان الاسطورة ماهي الا نفل لعديد الحقائق
التاريخية والكونيه وكما قال الانثلوجي "يوهان باكوب"{{ان الاساطير هي
التعبير الرمزي لحقائق مؤكدة}}.
2_الجانب النفسي:تظل
المثيولوجيا وليدة النشاة والذات .متآصلة بالغريزة البشرية ,باعتبارها حاجة
مهمة "للانا" لتعبر عن نزعتها ودوافعها الغريزية .وكسب فهم الاشياء
الطبيعية والميتافيزيقية ,لتبدو قوية امام "الأنا الأعلي" و"الهو".وقد سعي
علم النفس الي دراستها وتحليلها ,ليثبت ان المثيولوجيا ماهي الا مجرد
انفعالات نفسية تجتاح الذات لتعبر عن كبت او رغبة او حلم يراودها .واشباع
تلك الرغبات والعواطف عن طريق التخيل او الحلم الناتج عن الاشعور. كما يقول
الفيلسوف "سيغموند فرويد"(الاسطورة هي نتاج عمليات الاشعورلدي الانسان) اذ
اوضح في نظارياته الي ان الاسطورة هي حالة لاشعورية للانا,التي تعيش حالة
صراع ذاتي بين عواطفها وغرائزها وواقعها .فانعكس ذلك علي العقل الاواعي
الذي خاض رحلة لاشعورية.أفلتت من رقابة العقل والمنطق والنفس .لتبحر حرة في
آفاق الحلم المتحررمن كل القيود ,ويجمع في كتابه"طوطم والحرام" خيردليل
لتفسير عميق لهذه النظرية ومع اكثر تفاصيل..ومع ذلك يري "فرويد" ان الاشعور
هو الاساس الحقيقي للحياة النفسية .واعتبرها نظرية شاملة ,قادرة علي
تفسيرجميع مظاهرالانسانية.فالمثيولوجيا اذن باعتبارها كل هذه النطرية تستند
اليها ,فهي تعد ذات قيمة نفسية هامة فردية وجماعية.
ومن
الاشعور عند "فرويد" ينتقل تحليلا اخرللمثيولوجيا.وهو الاوعي عند الفيلسوف
الالماني"كارل يونغ"والذي لايختلف عن كونها تخرج عن منهج العقل ,الا أنه
نظر اليها من ناحية الغير وليس الانا _كما اعتمد فرويد_اذ اعتبران "الاوعي
الجماعي"هو اساس المخيلة الاسطورية، وانها تمثل ترجمة لجوانب المجموعة
والأفراد والمجتمعات .باشتراكهم لأفكار وانفعالات وأحلام مشتركة في
الاوعي..
وبين الاشعور والاوعي من المنظور النفسي
المتطور.ازدادت قيمة المثيولوجيا،تعمقا في الذات والفكر.وباتت أسلوبا
(مجازيا) لمعالجة النفس ولمساعدة علم النفس في تحليلها.
3_الجانب
العلمي:لعل أهم مظاهر التطور العلمي للمثيولوجيا،انها أصبحت محل دراسات
العلم ذاته والعلماء ،وانساقت ضمن العلوم الحديثة . واعتبرت أحد العلوم
الاجتماعية,الانسانية التي تتولي أهم قضايا الانسان والتاريخ ومنذ صور
النهضة المجيدة تهافت الفلاسفة والمفكرين وعلماء النفس والباحثين علي
دراستها وتدوينها وتحليلها فكريا ونفسيا وعلميا فهي ساهمت في التنوع العلمي
باعتبارها انتاج فكري أزلي وتحول العقل الاواعي للفرد والمجتمع الي عقل
واع ،مخترع وبناء.فمثلا الوعي الفلسفي والأدبي الذي سطع داعيا للتأمل
والتفكيروالبحث منذ الفلسفة القديمة الي المعاصرة .هو نشأ عن الوعي
المثيولوجي _المعروف جيدا في علاقته بها _مهما حاول الاستقلال
عنها..والابداع باختلاف مجالاته وفنونه نتاج من الفكر المثيولوجي المتوارث
بين الاجيال عبرالتاريخ وكذلك التكنولوجيات والاختراعات ،التي تعرض ارتقاء
العقل البشري ونباغته .ابدأت مجرد فكرة من أرضية المخيلة الاسطورية..كغزو
الفضاء مثلا والوصول الي القمر.كان في البدئ خيال راود عقول البشر.نسجه في
خرافات وأساطيرأله القمر وتنين القمر الخ..فكما خلفت المثيولوجيا انتاج
فكري وتقدم علمي .صنعت ايضا شعوب ودول ،اجتمعت علي المعتقد والتاريخ
الفلوكلوري.
3-العقل بين الدين والثيولوجيا:
لم يجد الانسان
مخرجا من متاهة الوجود,حضوره كان الدهشة العظمي الأولي له.وننزول الأديان
السماوية جاءت لتنقله الي مرحلة الرهبة الأعظم ..ومابينهما خاض المأساة
الوجودية _يكون فيها اولا يكون_صارع مراحله الثلاث بالغريزة تارة والتخيل
أخري وترك العقل يحضر ويلاشي ملاعبا المنطق والحقيقة .وأمام ذلك الفراغ
والتيه،لابد للانسان بالاحتماء بدرع حصين ..وهو المقدس.باعتبار أنه
الهوية،ومرجع الماهية ،وكافله في رحلته الوجودية،وهو الذي يؤمن له حياته
الغبيبة.
اذن فهو حاجة أساسية، يجب أن تحضرسوي بانتاجه
،كالأسطورة .أومن خلال الاديان السماوية المقدسة.وبالطبع _كماهو معروف_ان
المثيولوجيا نتاج انساني ، لكن يظل السؤال يتأرجح بين العقل والمنطق .كيف
للعقل للانساني الخارق ان يصدق ويستوعب ويتعايش مع مثيولوجيا من صنعه
،نابعة من أرضية خيالية معترف بها؟؟؟
ويبقي الجواب_وان لم
يقنع الجميع_ نعم ..العقل البشري في حاجة الي مثيولوجيا باعتبارها المعتقد
والمقدس . وكذلك هو في استعداد الي تقبل واستوعاب اي مقدس أخر،انساني أو
ديني .لذلك كان بديهي علي الانسان تقبل مثيولوجيا الاديان _وان كان العقل
في ريبة منها_ لما تطغي عليه نصوصها وتعاليمها وقصصها من سرد قد نقول انه
اشبه بالخرافة والاسطورة .وان تمعن بها العقل،لايجد فرق بينها.ومن هناك بدا
الانسان صراع أخربين الشك واليقين ..وبين التقبل والاستنكار.فان كان
المقدس الاول المكفن بالمثيولوجيا بدعة انسانية للتاقلم مع حضوره الوجودي
،فكيف له ان يتقبل ملاحم مقدسة ليست من صنعه وفرضت عليه؟؟؟
اشتركا
المقدس المثيولوجي والمقدس الديني في خصائص عدة: كالزمان والمكان
والشخصيات الخارقة والمعجزات المهولة.التي تحض العقل علي الوقوف
دهرًا،باحثا ..متفكرا في اشكالية الامتثال ايمانا وتصديقا أو الرفض
والتشكيك.خاصة انه امام ثلاث أديان عظيمة جاءت بما لم يتخيله عقل من
قبل..ميلاد المسيح ومعجزاته في المسيحية ،خوارق موسي في اليهوديه ،كرامات
محمد في الاسلام .وأهمها قصة الخلق وحياة الخلود وقصص باقي الانيباء
.جميعهم نجد لهم أطلال في أساطير الأسلاف والاولين ،تشابهت جدا في عديد
الحضارات الغابرة .
ولعل من أبرزها والتي تعتبرمعجزة كونية
ظلت معضلة العقول ،المؤمنة والملحدة ..وهي قصة الاسراء والمعراج.الراوي
هناك هو بطل الحكاية .هو الشاهد الوحيد .والشخصيات ملائكة واشباه بشر
والمكان سموات شاهقة اخترقها ببراق (دابة بيضاء بين البغل والحمار،في
فخذيها جنحان تحفزبهما رجليه) كل شي بها فاق الامعقول والخيال .ويروي كامل
الرحلة الليلة والتي هي معجزة انسانية مدهشة بالنسبة للرسول الانسان
.ومعجزة الاهية عظمي بالنسبة للاله المقدس .ثم بعد ذلك علي العقل المصغي
،التصديق قبل التخيل والايمان قبل الاستوعاب .فالذات هنا امام مآزق عقلي
ومنظقي وغريزي. الا انه قبله رغم مثيولوجته الطاغية لانه بحاجة اليه
..بحاجة الي مقدس يتبني وجوده ويتكفل بمصيره .
لذلك فالمقدس لا يفهم ولايقبل بالعقل وتبقي المثيولوجيا الهوية الذاتية للانسان التي اجتاز بها وعورة مراحلة الوجودية
__________________________________________________________________________
حقوق النشر محفوظة
تم نشرها في الاتحاد الكتاب والثقفين العرب
وفي مجلة المسار الصادرة عن اتحاد الكتاب التونسيين
وفي جريدة ومجلة اضواء مصر
__________________________________________________________________________
حقوق النشر محفوظة
تم نشرها في الاتحاد الكتاب والثقفين العرب
وفي مجلة المسار الصادرة عن اتحاد الكتاب التونسيين
وفي جريدة ومجلة اضواء مصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق