الثلاثاء، 24 نوفمبر 2015

لا تمطري..


تهرول مسرعة,تتعاثر خطاها-بين الحين والاخر-,كلما تضاربت هواجس ذاتها القلقة ..الممزقة علي فلذات كبدها . واسئلة تعصرها خوفا طول طريقها..
كيف ستجدهم ؟ واين؟ من زارهم ؟ من اذاهم؟..
وهل ما تحمله اليهم سيرضيهم ويفرحهم ؟
تقف برهة ,تسترجع انفاسها , ترمق سلة الرحمة التي بيدها بنظرة مزجت بين استياء ورضاء, تضعها علي الارض لتتفقد ما كان قد سكب او اختلط , من بقايا ماتجود به عليها صاحبة البيت الذي تشتغل فيه .
تحمل السلة مرة اخري وتمضي قبل ان يعتم الليل...

* * *
رياح الشتاء القاسية,تكنس الاوراق القديمة , من كتب وشجر..في الازقة الرطبة , وتحدث نئيحا مزعجا . يضع الولدان ايدها علي اذنيهما من شدة الزفيف والهجيج. يحدقان مليا في السماء , يرصدان الغيوم المعصرة ,ويرددان معا :" لا تمطري .. ايتها السماء .. لا تمطري".بصوت خافت وامق .
يتفطن الولد الاكبر لنفسه ,فيهمس لا اخيه:" اخفض صوتك ..لنخفض اصواتنا .قد يسمعنا احد ,فهذا موعد عودة الشيخ من المسجد .قد يفاجئنا بصوته الناشز , توبيخا وتهديدا بالضرب ".يضع الصغير يده علي فمه ,ويطاطا راسه متمتما:"وهذا ايضا موعد امي ,تاخرت امي "
ويضيف بخنقة " لقد جعت"
يردف الاخر بحماس :
" فلنبدا العد, هيا اخي ,كما تقول لنا امي دائما. حين نتجاوز المئة ..ستاتي.."
ضحك الصغير وتحمسا معا لمحاربة الزمن الي حين يهب هفيف امهم الرحيم.
اغمضا اعينهم وبدا في العد. وكم لهما في العد من احلام , ومن خيبات.هذه التسلية البريئة التي اخترعتها لهما امهم , مسكنة لاوجاع الانتظار.هي وحدها تعرف مرارة الانتظار ومضض الزمن . حتي انها علمتهم الارقام قبل الحروف..كثيرا ما اقنعتهم انه عندها يعدون الي حد كبير , وفي وقت ما ,سيستيقظون علي لمسات والدهم الشارد , حاملا لهم الامان والمال والامال .واستسلموا للبراثن الليل والسنتهم تتلعثم بالارقام .وحين استيقظوا لم يجدوه .. ولم يجدوا احلامهم. وكثيرا ايضا, افترشوا حضنها وهي تسابقهم العد , متفائلة , ماكدة لهما انهم في صباح العيد سيصحون علي الهدايا والبهجة حالهم حال اطفال الحي, وما خاب حلمهم ..
فكم لهم من احلام و خيبات مع كل عدد..؟
وما اقسي الزمن علي العقول البريئة..
* * *
جاء صوت الام -ليفتحا اعينهم الحالمتين- تصيح مندهشة :"مالذي يجلسكما هنا؟ افي هذا الطقس هنا ؟ "
وفي نفسها تشكر الله علي وجودهما بخير . تزذاد نبرتها شدة :"هيا ادخلا"
وهما يتعلقان برقبتها , بين قبل واسئلة وضحك ..
امتزجت بداخلها فرحتها بوجودهما بسلام , والمها علي مكوثهما خارجا في هذا العجيج ...

 * * *
حضنتهم طويلا,مسحت عن اعينهم غبار الرياح , تلمست اجسادهم , لعل البرد او اذي حل بهما ._ تشكر الله في سريرتها_ وتنهض نحو السلة ,تضعها امامها وهي جالسة القرفصاء ,تخرج منها ثمن جهدها المنهوك كامل اليوم .. وثمن غيابها عن صغارها مقابل ما لا يكفيهم لبداية يوم جديد .
تضع لهما الاكل باتسامة رضا و تفائل , وهما اماهما قمر وشمس.. يدحضان عليها غيوم القدر وظلمة ايامها . تغامر بهما في رحلة الحياة المجهولة .. بتحد وارادة .
* * *
وفي الخارج كان هناك ملغطة ,توحدت مع فوخان وزفيان الرياح . فانبثقت سمفونيات تفلج العقل , عكرت صفوهم , وهم يصطنعون السعادة من الاشي ..هرعت الام تطل من نافذة الغرفة ,ازاحت الستارة المصفرة من طول الزمن علي انسدالها في تلك الغرفة الرطبة .. المتهاوية..وهرع الصغار خلفها مفزوعون .
كان شيخ الحي يسوي صفوف من الرجال جنبا الي جنب ,وصغارهم يركضون خلفهم في هرج ومرح , مستهزئين بزمجرة الشيخ , مستنصرين بوجود اولياءهم معهم .
فهم الصغار ماذا يفعل الشيخ ,وانساقوا خلف امهم ملتحقين بالجموع ,كقطيع غنم يصفهم خلفه كل ليلة , منذ ان انتصف فصل الشتاء ولم تنزل المطر..يمكث بهم طويلا في البرد والريح بين طلاة ودعاء , ثم يولون ادبارهم الي مساكنهم ..
* * *
هدا الضجيج واستوت الصفوف , وامتدت الايادي في تضرع وتذللت الانفس في خشوع . كانت الام وطفليها يقفون خلف الموجودين .تحملق في السماء متوسلة ,تهتف بصوت الاخرس , الذي يصل صوته الي المدي ولا احد حوله يسمعه .
كانت كلما هتف الشيخ ياسماء جودي .. ارئفي بالعبيد . صرخت ياسماء اقلعي ..فسيف بيتي حديد .فانقشعت الغيوم وغيض الغيث . فبعدا لقلوب تطلب الرحمة وبينهم ارواح اظنها الانين ..
مضت ساعات طوال وهم في خشوع وتضرع لا وميض بشارة . التفت الشيخ مستغفرا , غاضبا , مشيرا باصبعه الي كل الحضور , مزمجرا:
"نحن مغضوب عليهم" _تزيد حدته في الكلام _بلي , فينا عصاة , بيننا ملعنون حتما سيؤدون بنا الي التهلكة والعقاب .سيلحقوننا الي سجل اقوام اهلكوا بما صنعوا .."
ترك الجميع الشيخ يصلصل وحده.وعادوا الي منازلهم.وبابتسامة عريضة ,حضنت الام صغارها .مطمئنة ,واثقة, غير مبالية بهزق الرعد المرهب , ولا لسنا البرق الذي يخترق سقف بيتها القصديري ,المهدد بالسقوط .كل ذلك يطمئنها بان السماء لم ولن تخذلها . ستزمجر , ستصعق , ستدمدم .لكن لن تمطر.. ولن يقع سقف بيتها , لن تتشرد في دوائر المجهول .
فصوتها تعرفه السماء ..كصوت الهزيم . ومن عرفته السماء , ستكرمه الارض .


بقلمي مفيده الضاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق