الاثنين، 28 أكتوبر 2019

مسابقة القلم الحر للإبداع العربي(العاشرة) دروب الموت (قصة) مفيدة الضاوي/تونس

مفيدة الضاوي – تونس . قصة
دروب الموت
حين يصعب علي النائم الانفصال علي فراشه ودفئه. كنت أفيق يوميا قبل الفجر.. أجتث نفسي المنهكة من مضجعي      وأتسلل تحت براثين الظلام.. أسابق خطوات الشقاء.. لالتحق بمركب البؤس…
تكتض الشاحنة تحمل ملا طاقه لها.. يتحرك المحرك ويشق ظلاما دامسا مجهولا.. تتزاحم الرؤوس مشرئبة نحو الفراغ تملءها الهموم والاعباء والهواجس…
نحن اللواتي.. نزرع للوطن ..
ننتج للوطن..
لكن الوطن حصد وصدر وكسب …
وتنسانا ..
زهدنا..
همشنا..
قافله مجنده من كادحات زمن مضني.. كتب عليهن البؤس، لم يفرق الغبن بين أعمارهن.. فبنت العشرين تحمل هموم أم السبعين.. جمعتهن الخصاصه والعوز وحكايات كثيرة متشابهة.. متوارثه ومقدرة…
وجوه تقاسمت شقاء الايام…
في الافق غمامة لا لون لها.. تكتم الأنفس وتثير الوجس ، حبات مطر تتساقط علي رؤوسنا الملثمة بعدة أوشحه ولن نسلم من لسع البرد. تقشعر ابداننا.. نلتف حول أنفسنا.. نتراصف ..نتلاصق اكثر ليسري بيينا بعض الدفي او يخيل الينا ذلك ..
وبين الفينة والاخري تصدم العربه في حفر ومطبات الطرقات المزرية. فتختض العربة وتنتفض أجسادنا المرتعشة.
كالسنابل المحنية.. نمضي ساعات طوالا، يوما كاملا من الغسق الي الشفق.. نسعي في الارض كالدواب دون رحمة ولا شفقة من أسيادنا_ كما يعتقدون انفسهم_ ساعات وساعات .. تجاوزنا فيها الوقت القانوني للعمل.
ولو كان لنا قانون يكفلنا …أ كان هذا حالنا ؟؟
يظل صاحب العمل يحوم حولنا، يتصيد اي فرصة  خطا او تكاسل منا، لكي يخصم أجورنا البائسة التي لا تتعدي بضعة دنادير.. لا تسد رمق يومنا.. نقضي جل يومنا منحنيات.. رؤوسنا منغرسة في الارض كالنعام..
ثم ماذا نفرق عليه.. نحن أسيرات الارض.. كما يغرس راسه خوفا في الارض ..فعلن نحن.. اجل.. خوفا من الجوع والموت والضياع، نشقي بنصف حقنا.. تحت سيول الشتيمة والاحتقار. ومع ذلك نرضي نصمت ونمضي..
يصدع صوت ذلك الرجل الدميم مزمجرا
“انهظي يامراه.. قومي”
“هيا.. ساخصم اجرتك”
“هيا اكملن كامل البذر اليوم… بسرعه”
تزحف تلك الخمسينية محاولة  اكمال عملها في غرس البذر خوفا من سخط الرجل.. تزحف وتتململ وهو يزمجر ويتوعد دون رحمة .. تتكئ علي عصا وتقوم محنية الظهرتتأوه وجعا وقد تاكدت من ذهاب يومها سدا ونوم أسرتها بدون طعام..
أعتمت السماء من جيد.. ولم نري من البساتين الشاسعة  المعبئة بالخيرات سوي ماثقفته أعيننا خلسة.. او ما توجب عليا جنيهه.. اصطففنا كعادتنا لنمد ايدنا الاستلام بعض الدنانير ومع ذلك نطرح منها ثمن أجرة ركوبنا لتلك العربة القديمة الرثة..
سلكنا طريق العودة لديارنا تحت اوج الظلام..
وكأن قدر علينا  ان يكون الليل حليفنا في الذهاب والاياب..
صمت عميق مخيم ..أجساد متعبة ..وعقول شارده في غياهب الحيرة والخشية والوجل..
حيرة من ديون كيف ستقضي..
خشية من ايام عجاف.. لا تباشير لها..
ووجل من غد مجهول كيف.. ماله..
عن بيوت بلا سقف…
عن بطون لا اكل…
عن اجساد طريحه ..بلا علاج..
وعن مستقبل بلا علم ولا عمل…
يخقق قلبي بشدة.. تترائ لي الارض بما رحبت.. قبو معتم ضيق.. تتسابق عيناي الي دياري شوقا وقلقا وحسرة
تصدم العربة بشي ما.. فنتمايل كاشجار سرو في ليلة عاصفة.. ونندثر…
تطايرت في الفضاء أوشحة بالوان الحقول مزركشة بالوان الورود.. معبقة برائحة العرق الشريف.. ملطخة ببقع الدم القاني.. كلون العلم… كلون الالم …جثث رصفت حذوي بعضها، كما كانت باسقة جنبا لجنب علي عربات الموت… الان تنتظر عربات الماوي الاخير ربما نحو مكان أفضل…بل أفضل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق